ابن حمدون

187

التذكرة الحمدونية

نعم ، كأني بها في ذلك اليوم وعليها برد زبيديّ كثيف الحاشية [ 1 ] ، وهي على جمل أورق أربد ، وقد أحيط حولها حواء ، وبيدها سوط منتشر الضّفر ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : يا أيّها الناس ، اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم . إنّ اللَّه تعالى قد أوضح الحقّ ، وأبان الدليل [ 2 ] ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء [ 3 ] مدلهمّة ، فإلى أين تريدون رحمكم اللَّه ؟ أفرارا عن [ أمير ] المؤمنين أم فرارا من الزحف ، أم رغبة عن الإسلام ؟ أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم اللَّه سبحانه وتعالى يقول : * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ) * ( البقرة : 155 ) * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) * ( محمد : 31 ) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : اللهمّ قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرعية [ 4 ] ، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب ، فاجمع اللهمّ الكلمة على التقوى ، وألَّف القلوب على الهدى ، واردد الحقّ إلى أهله . هلمّوا رحمكم اللَّه إلى الإمام العادل ، والوصيّ الوفيّ ، والصدّيق الأكبر . إنها إحن بدريّة ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغفلة ، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس . ثم قالت : * ( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) * ( التوبة : 12 ) صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربّكم وثبات من دينكم ، وكأنّي بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى ، وباعوا البصيرة بالعمى * ( عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) * ( المؤمنون : 40 ) حين تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة ؛ إنه واللَّه من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل ، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار . أيّها